قد يظن بعض الآباء في ذكاء أطفالهم في مرحلة مبكرة من العمر، وأن ليس لديهم الذكاء الكافي مثل أقرانهم أو الأقارب، لكن هذا المفهوم الخاطئ بكل تأكيد ينبع من عدم تحديد المعيار الرئيسي الذي يمكننا قياس ذكاء الأطفال عليه، أو بلغة أخرى، ما هو ذكاء كل طفل على وجهٍ خاص؟
إذا حكمت على ذكاء السمك بقدرته على تسلق الأشجار، سيعيش السمك طيلة عمره منعوتًا بالغباء الشديد، ولو كان الذكاء بالنسبة للأسد هو أن يعوم بين المحيطات لكن أكثر الكائنات غباءً وكسلًا، لكن ليس للسمك أن يتسلق أو الأسد أن يعوم، وهذا هو حجر الأساس في الحكم على الأمور.
كيف يكون كل الأطفال أذكياء؟
عندما نتحدث عن ذكاء الأطفال، لابد أن نستوعب أبعاد الأمر بمختلف الزوايا، وأنه لا يوجد فعل بعينه يعتبر حاكمًا وجازمًا على الذكاء من عدمه، فكل الأطفال أذكياء، لكن السؤال الصحيح هو ما هوية هذا الذكاء وكيف لكل طفل أن تختلف امكانياته وقدراته عن غيره؟
منذ أكثر من أربعة عقود، تحديدًا نعود إلى عام 1983 في جامعة هارفارد، قدّم “هوارد جاردنر” نظرية أسماها “الذكاء المتعدد”، تناول بها 7 أنواع مختلفة للذكاء البشري موضحًا التباين والاختلاف بينها، رسّخت هذه النظرية مبدأ اختلاف الذكاء وتعدد مظاهره حتى طُورت أكثر بعد ذلك في عام 1999؛ لأنها ساعدت المعلمين في فهم الطلاب أكثر والتواصل بشكل أكثر فاعلية معهم.
ما هي أنواع الذكاء لدى الأطفال؟
وضح “جاردنر” سبعة أنواع رئيسية للذكاء تقوم على أساس تميز كل شخص بقدرات فريدة، وأن لكل طفل طريقة مميزة وخاصة في التعامل مع العالم الصغير الخاص به. هناك أشياء ستكون مفضلة له على حساب أمور أخرى، كما نتناولها معكم في السطور التالية.
الذكاء اللغوي
يتميز الطفل بحب التعامل اللغوي بالكتابة كان أم بالتحدث والقراءة، يميل إلى التفاعل مع اللغات والمواد المقروءة والمسموعة بشكل أكبر. ينطلق في هذا الصدى ويشعر بحيوية أكثر عندما تلعب معه لعبة بها حروف أو كلمات، ويعبّر عن نفسه على نحو جيد بهذا الشكل.
يأتي الذكاء اللغوي بين أنواع الذكاء عند الأطفال، ومن أكثر علاماته لدى الأطفال قدرتهم على التحدث بطلاقة تفوق عمرهم الصغير، والتعبير عن مشاعرهم بالكتابة أو الإلقاء، ولعل أشهر من تميزوا بهذا النوع من الذكاء هم الكُتاب والروائيون على رأسهم وليم شكسبير. لذلك أيضًا كتابة القصص أو الشعر من أبرز علامات الذكاء اللغوي عند الأطفال.
الذكاء التفاعلي
يظهر هذا النوع في رغبة الطفل على نطاق واسع في التفاعل مع الآخرين والدخول في مجموعات لأداء الألعاب أو الأنشطة المدرسية وغيرها، حيث يشعر بالسعادة والارتياح في الانغماس بتكوين علاقات واسعة مع الغير وينجح في هذا بشكل واضح.
يستطيع الطفل الاندماج بصورة سريعة مع أصدقائه ويتفاعل مع الجميع بطرق متنوعة، تجعله قادرًا على التلقي والتفاعل بصورة أفضل.
الذكاء البصري
يتعلّق ذكاء الطفل هنا دائمًا بالمواد المرئية وتجعله أكثر قدرة على تذكر الأمور، فمثلًا عند مذاكرة المواد الدراسية الخاصة به، يميل إلى المواد التي تحمل الكثير من الصور، الانفوجراف، الرسومات، وغيرها من المواد المرئية.
يمكن للآباء استغلال هذه الميزة لدى الطفل وتحفيزه على التفاعل أكثر من خلال الخرائط الذهنية التي ترتب الأفكار والصور لتسهّل عليه عملية التذكّر والحفظ في الأمور الحياتية والدراسية أيضًا.
يلاحظ الطفل بدقة الألوان والخطوط وكيف يمكن لألعاب كالبناء والبازل أن تتجمّع سويًا، يجد رغبة كبيرة في هذه الألعاب عن غيرها، لأنها تلمس جزءًا مميزًا عنده في الأشكال والألوان والمرئيات.
الذكاء الحسابي أو المنطقي
يريد التعامل مع الأرقام والخطوات المحسوبة جيدًا في كل خطوة؟ .. إذن في غالب الأمر سيكون مميزًا بهذا النوع من الذكاء تحديدًا بين أنواع الذكاء عند الأطفال.
مع الذكاء الحسابي والمنطقي، يكون الطفل بارعًا في اتمام العمليات الحسابية بشكل جيد، من الممكن أن يكون بحساب عدد الأشياء التي تم شراؤها من المتجر وسعر كل منها ليستنتج سعر المنتج الواحد.
فهو لديه قدرة على التعامل مع المسائل الحسابية والأرقام بشكل عام، ستكون فكرة أكثر من رائعة إذا اتبع الآباء هذا النهج مع الأبناء، في المستقبل سيكونوا بارعين ومميزين في مجالات رقمية أو هندسية، ويطورون مهارات تحليل البيانات، والإحصاء، والأمور القياسية والحسابية وغيرها.
الذكاء السمعي
ربما يميل الطفل إلى سماع المعزوفات أو الموسيقى أو الدروس المسجلة، يمكنه التلحين بسهولة ويجد متعة واسعة في ذلك.
الحواس دائمًا لها مدخلات ومخرجات وعندما نتكلّم عن الذكاء السمعي، فالمدخلات ستكون المواد السمعية التي تروق للأطفال بينما المخرجات ربما في التلحين، العزف، إلقاء قصائد من الشعر أو القصص القصيرة، أو مشاركة النقاط الرئيسية للدروس التعليمية مع زملائه في الفصل.
ننصح الآباء مع هذا النوع من الذكاء السمعي في تطوير هذه الهِبة لدى الأطفال، والتركيز أيضًا على كيف يمكنهم تحويلها إلى مخرجات جذابة ومميزة.
الذكاء البدني
لا يقتصر فقط على أداء الرياضات التي تعتمد على المجهود البدني والحركة المستمرة، بل يمتد إلى قدرتهم على التعبير بصورة حركيّة، يتمكنون بشكل جيد من الأداء المسرحي أو توصيل مشاعرهم بالأداء الحركي.
في فصولهم الدراسية يمكن أن يشرحوا لزملائهم درسًا عن طريق التقليد والتفاعل الحركي النشيط على نحو مختلف وجيد، يصعب عليهم الجلوس لفترات طويلة ويميلون أكثر إلى الحركة، النشاط، الحيوية، والتحرّك من نقطة لأخرى.
تميز الأبناء بالنشاط والحركة ميزة رائعة للغاية تحفّزهم على التفاعل الاجتماعي وممارسة رياضات متنوعة دون الشعور كثيرًا بالكسل والخمول.
الذكاء الوجودي والفلسفي
يتمتع الفيلسوف الصغير برغبة عارمة في طرح الكثير من التساؤلات ومحاولة فهم ما وراء الأمور، لا يكتفي بما يُقدم له من معلومات فقط، بل يذهب لما هو أبعد من ذلك ويسعى للتفكير النقدي والتركيز على مختلف التفاصيل.
قد يكون الطفل ذو الذكاء الفلسفي مرهقًا بعض الشيء لآبائه بسبب كثرة تساؤلاته، والتي قد تبدو وكأنها “معارضة” دون سبب، لكن إذا فكرنا في الأمر بصورة مختلفة، ستجد أن عقل الطفل عندما يريد دائمًا معرفة الأمور كاملة وأن يسأل بـ لماذا وكيف سترى أن هذا مؤشرًا على ذكاء ونباهة قوية تمكّنه من النجاح والتفوق مستقبليًا.
الذكاء الطبيعي
قد يكون الطفل هنا أكثر هدوءًا لأنه يرتبط بالطبيعة وما بها من سكينة واطمئنان أكثر، يحب الحدائق والطيور والمظاهر الطبيعية وهدوء البحر. يكون أكثر انجذابًا للتأمل والتفكّر الهادئ مثل الطبيعة، وبالتالي فإن تشبيه المواد الدراسية أو الأمور الحياتية بالحيوانات ومظاهر الطبيعة ستروق له كثيرًا وتجذب انتباهه أكثر.
الذكاء الطبيعي يتعلق بمعرفة الكائنات الحية والكواكب. قد يبدو الاهتمام بالنباتات والحيوانات والطقس والمحيطات والجبال ثانويًا لمهارات أكثر «أهمية» مثل القراءة أو الكتابة، لكن الشعور بالدهشة للطبيعة يساعد في إدراك أهمية البيئة والحفاظ عليها.
نصائح خاصة للتعامل مع أنواع الذكاء لدى الأطفال
تختلف طبيعة كل طفل عن الآخر وكذلك نوع الذكاء الذي يتّسم به، لذلك من المهم أن نستوعب هذا الأمر جيدًا حتى لا نظلم أبطالنا الصغار أو نغفل عن القدرات التي منحهم الله إيّاها، فهناك من يميل إلى الموسيقى ومن يميل إلى اللغة وآخر كثير الحركة والنشاط، وغيرهم.
لكن ما هي الأمور التي يجب أن نراعيها في التعامل مع أبنائنا وتباين أنواع ومستويات الذكاء بينهم؟
1- الملاحظة المستمرة
لتتعرف جيدًا على ما يميز طفلك بين أنواع الذكاء عند الأطفال، من المهم أن يكون هناك ملاحظة مستمرة له على مستوى التصرفات والعادات التي يقوم بها، طريقة التحدث والاستماع ومدى النشاط الذي يتّسم به والأمور التي تجذبه أكثر من غيرها.
مع الملاحظة ستكتشف جوانبًا مختلفة في الطفل تمكّنك من معرفة أكثر أنواع الذكاء لديه، لنعمل على تنميتها وتطويرها فيما بعد.
2- فتح أبواب النقاش
كلما كان النقاش يسيرًا ومنفتحًا بين الآباء والأطفال، كلما كان التعامل حقيقيًا وليس صوريًا فقط، ويمنح الأطفال حرية استكشاف العالم من حولهم على النحو الأنسب لهم ولما لديهم من قدرات وإمكانات.
عندما يشعر الطفل بقدرته على الحديث مع والديه دون خوف أو رهبة، سيكون هذا دافعًا له للثقة بالنفس وتنمية مهاراته، واخبار والديه بما يُفضل وما لا يفضل.
3- تنمية مهارات الطفل
ليس شرطًا إذا كان واضحًا أن لدى البطل الصغير نوعًا بعينه من أنواع الذكاء عند الأطفال، أن يتم التركيز على تنمية هذا النوع فقط دون النظر إلى بقية المهارات والقدرات العقلية والرياضية والروحية التي يحتاجها.
يجب أن يكون الأمر أكثر موضوعية، ويكون هناك تركيزًا على تنمية مهارات الذكاء لديه بشكل عام، ونوع الذكاء الذي يتمتع به بصورة خاصة، هذا الدمج يوفّر أفضل نسخة من أبنائنا.
4- الدعم المستمر
لا تنسَ تقديم الدعم والتحفيز بصورة مستمرة للأبناء، خاصة إذا كان مهاراتهم تختلف عن مهارات الوالدين، لا يجب أن يتم تعنيفه مثلًا لأنه يسأل كثيرًا ويتمتع بذكاء فلسفي أكثر من اللازم، أو يُرى في قدرته على الذكاء اللغوي أنها اهدارًا للوقت.
لكل منا ذكاء خاص ومهارات وامكانات مختلفة، بينما نحن نختلف عن آبائنا في كثير من الأمور وتتشابه في غيرها، كذلك الأمر أيضًا مع أبنائنا، ليس شرطًا أن يتفقوا معنا في كل شيء.
5- استشارة المتخصصين
المتخصصون لديهم دائمًا القدرة على تمييز أنواع الذكاء والمهارات لدى الأطفال على نحو يعتمد على الخبرة والعلم والتجربة، لذلك لا تتردد في استشارة المتخصصين في حال وجدت الطفل يتصرف بصورة غريبة وغير واضح ما هي المهارات التي يتمتع بها أو شعر بعائق في التعامل معها.



